19/05/2024 00:06
موريتانيا
التعليم
الصحة
تقنيات المعلومات
البيئة
التنمية و الاقتصاد
الحكم الرشيد
الشباب و الرياضة
المرأة و التنمية
الزراعة
السياحة
الأمن الاجتماعي
الثقافة
 
             
 
         
 
  التنمية و الاقتصاد  
     
الصيد
المعادن
البترول
البنية التحتية والنقل
المالية والجباية

 

موريتانيا.. شبح 'القاعدة' أم لعنة النفط  

في سابقة هي الأولى من نوعها تم إلغاء الطبعة الـ 30 من "رالي داكار" الشهير لـسنة 2008. ويبدو أن ارتفاع المخاطر المرتبطة بتهديدات "إرهابية"، مباشرة وغير مباشرة موجهة ضد اللحاق الدولي للسيارات والدراجات النارية كانت، إلى حد كبير، وراء هذا القرار الخطير. فاقتضت الحكمة اتخاذ أقصى درجات الحيطة والحذر كما صرح بذلك وزير الخارجية الفرنسي السيد "كوشنير" معللا قرار الإلغاء.

مع مرور الوقت، ارتقى هذا الحدث الرياضي الكبير إلى "تقليد وطني" في بلدان العبور، بفضل ما يجره من منافع متعددة اقتصادية وثقافية وسياسية لصالح تلك البلدان، بالرغم من تكاثر عدد الحوادث والإصابات فضلا عن الانعكاسات السلبية للسباق على الوسط البيئي. لكن يبقى الاقتصاد المرتبط بـ "رالي داكار" هائلا، بميزانية ذاتية تتجاوز 15 مليون يورو بدون إيرادات التلفزيون ورقم أعمال إجمالي يصل إلى حدود 200 مليون يورو. وبالتالي، لا شك أن منظمي السباق وكذا جميع المتعاونين ومقدمي الخدمات سيتضررون حتما من جراء إلغائه.

وبينما تحولت "القافلة" ذات الضجيج الهائل إلى مؤشر رئيسي لقياس درجة الاستقرار السياسي في البلدان التي تعبرها كل سنة، أخذت عملية رسم مسار السباق تخضع لمعايير "جيوبوليتيكية" أكثر مما تخضع لمقاييس تتعلق بنوعية التضاريس ووعورة الأراضي التي يمر بها والتي هي في الأصل عنصر الجذب الأساسي للسائقين المحترفين وكذا لمصنعي السيارات. لكن رالي داكار يكتسي أهمية خاصة بالنسبة لموريتانيا، فهو يتكون من 15 مرحلة من المغامرة والمتعة تجري 8 منها، هي الأصعب، فوق الأراضي الموريتانية كما أن مختلف التقارير المصورة التي تبثها وسائل الإعلام الدولية أثناء مرور "الرالي"، حول السياحة والتراث الثقافي في موريتانيا، تعتبر مساهمة لا تقدر بثمن لصالح البلد. أما قرار الإلغاء الذي شكل "ضرورة" للبعض و"صدمة" و"إحباطا" للبعض الآخر، فيأتي بعد عشرة أيام من عمليتين دمويتين ارتكبهما مسلحون "مجهولون"، مما أسفر عن مصرع أربعة سائحين فرنسيين قتلوا قرب "ألاك" على بعد 250 كلم جنوب - شرق نواكشوط، وكذا ثلاثة جنود موريتانيين قتلوا قرب الحامية العسكرية في "الغلاوية" على بعد 370 كيلومترا شمال شرق أطار. إن تقييم حالة انعدام الأمن في موريتانيا، التي تشكل خلفية قرار إلغاء السباق، بقدر ما هي مثيرة للجدل فهي تعتبر مصدرا إضافيا للقلق والتوتر اللذين طبعا انطلاقة الجمهورية الثالثة بعد خروج البلاد من المرحلة الانتقالية العسكرية.

التصريحات الرسمية من الجانب الموريتاني حول الموضوع شحيحة وتوحي بالالتباس حول الفرضيات التي انطلقت منها التحقيقات من أجل تحديد هوية مرتكبي العمليتين والكشف عن دوافعهم الحقيقية. أما من الجانب الفرنسي، ذي الباع الواسع في مجال التواصل، فقد تعددت التصريحات الرسمية وتلاحقت حول الحادث من مختلف مفاصل الدولة الفرنسية. وقد نشرت وزارة الخارجية الفرنسية (Quai d'Orsay)، يوم الخميس 3 كانون الثاني/يناير2008 بيانا (ما زال ساري المفعول حتى الآن) ينصح بقوة جميع الفرنسيين بعدم زيارة موريتانيا أيا كان الهدف من الرحلة، في الوقت الذي كانت فيه ولاية آدرار وحدها تنتظرـ ضمن الموسم الحالي ـ أكثر من 15000 سائح أوروبي غالبيتهم من الرعايا الفرنسيين.

 

***

إذن، هل تعني الهجمات التي وقعت مؤخرا في موريتانيا وانتشار التهديدات "الإرهابية" والشعور بانعدام الأمن الذي ينبع منها أن الجماعة السلفية للدعوة والقتال (GSPC)، التي تحولت مؤخرا إلى فرع القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي (BAQMI)، بعد إعلان ولائها "للقاعدة" الأم، في سبتمبر/أيلول 2006، قد نجحت أخيرا في إقامة شبكات من"الجهاديين" تتمتع بقدرات تسليحية ولوجستية نوعية تمكنها من فتح جبهة جديدة لها في بلادنا؟ أم أن الأمر لا يعدو مجرد سيناريو آخر سقيم من النوع السياسي- العسكري- الأمني، تم تدبيره بعناية لخلط الأوراق وقلب أولويات حكومة ديمقراطيه تبدو هشة والإيعاز بـ "شر مستطير" لأجندات "شيطانية" داخلية و/أو خارجية قد تعصف باستقرار البلاد؟ أم، يتعلق الأمر فقط بمحاولة لتقويض حياد موريتانيا في نزاع الصحراء الغربية تحت ضغوط من بعض جيرانها أو حلفائهم؟

هل نجحت "القاعدة" في تحقيق أهدافها الإستراتيجية الطموحة الهادفة إلى تعبئة المخزون الهائل من الإحباط السياسي والغضب الشعبي والكراهية على نطاق واسع ضد السياسة الخارجية الأميركية المتسمة بالراديكالية والعجرفة على امتداد عالم إسلامي بات مضطربا أكثر فأكثر، عبر تجنيد الآلاف من الشباب المسلم الذين يعيشون ظروفا اقتصادية قاسية ولا يرون ضوء في نهاية النفق غير التسلل عبر "قوارب الموت" للوصول إلى الشواطئ الأوروبية؟

هل تعمل الشبكة الإسلاموية الدولية "للجهاد" على نقل مركز ثقلها التعبوي والميداني جغرافيا من منطقة الشرق الإسلامي (آسيا والمشرق العربي) نحو الغرب الإسلامي لتجد لنفسها ملاذا آمنا في منطقة الساحل، التي تعتبر إيكولوجيا واقتصاديا منطقة مسحوقة ومهجورة توشك أن تتحول إلى مأوى "للإرهاب" وأعمال العنف المختلفة، بما توفره الصحراء، خاصة في منطقة "الربع الخالي" الموجود في أقصى الشمال والشمال الشرقي من موريتانيا وفي حدودها المتاخمة للجزائر ومالي، حيث تنمحي تلك الحدود في متاهات الرمال المتحركة مشكلة بذلك "جنة" حقيقية لتهريب جميع أنواع الممنوعات والاتجار غير المشروع بالأسلحة النارية والذخيرة والسجائر والمخدرات وغيرها؟

هل تشهد تلك الصحراء التي لا تقهر، طورا جديدا من تحولاتها اللامتناهية عبر الزمن، بعد أن عاشت في الماضي فتوحات المرابطين الأوائل وإشعاعهم الثقافي والروحي الأطلسي والمتوسطي، لتصبح منذ سنوات قليلة مضت ميدانا للكر والفر يأوي مخيمات تجميع وتدريب "مجاهدي" مختلف الجماعات السلفية المسلحة قبل إرسالهم إلى الجبهات في الشيشان والعراق والباكستان والصومال، إلخ...، لتتحول هذه الصحراء الآن إلى مسرح كبير للعنف يحتضن "المعركة" ضد أهداف تكتيكية أو استراتيجيه مختارة في موريتانيا من قبل تنظيم "القاعدة"؟

هل يتعلق الأمر بمناورة "جيوبوليتيكية" ذكية لصرف أنظار الرأي العام الموريتاني بحساسيته المفرطة المعروفة ضد المشاركة الرسمية للبلاد في المناورات العسكرية المسماة بـ "فلينتوكس" أو "مدفع الحجر"؟ تلك العملية التي شارك فيها في السنة الماضية أكثر من 1000 عنصر من القوات الخاصة الأمريكية إلى جانب قوات افريقية متعددة الجنسيات، في إطار خطة عسكرية لعموم الساحل الإفريقي من أجل إعداد "مبادرة لمكافحة الإرهاب في الساحل" كنواة للذراع المسلحة الأمريكية في دول جنوب الصحراء والغرب الإفريقي؟

ما هو الدور "الهام" الذي يتوقع أن يسند إلى موريتانيا، والذي من شأنه أن يكثف التعاون العسكري بين بلادنا والولايات المتحدة بعد إنشاء القيادة العسكرية الأمريكية لإفريقيا (AFRICOM) التي يوجد مقرها حاليا في "شتوتغارت" بألمانيا في ضيافة القيادة العسكرية الأمريكية لأوروبا (USEUCOM). ويبقى الملفت للانتباه في هذا الموضوع أن هذه القيادة الأمريكية لأوروبا أصبحت تركز جل أنشطتها حاليا على البلدان الإفريقية التي لديها إنتاج كبير من النفط أو تتمتع باحتياطيات نفطية هامة في و/أو حول منطقة خليج غينيا، فضلا عن كونها تنفق 70% من وقتها لمتابعة الشؤون الإفريقية، بعد أن ظلت تلك الشؤون إلى حدود سنة 2003 لا تحظى سوى بالجزء اليسير من الاهتمام.

وفي انتظار أن تصبح القيادة العسكرية الجديدة لإفريقيا مستقلة وتتخذ لنفسها مقرا فوق قارتنا السمراء وبالتالي تكون جاهزة للعمل في 2008-2009، نشير إلى أن القيادة العسكرية الأمريكية لأوروبا قد سبق لها أن أنجزت بالفعل برنامجا في سنة 2003 لمكافحة "الإرهاب" في غرب إفريقيا وفي آذار/مارس 2004، شاركت قوات أمريكية خاصة بشكل مباشر في العمليات العسكرية مع بعض البلدان في منطقة الساحل ضد الجماعة السلفية للدعوة والقتال الموجودة على لائحة المنظمات "الإرهابية" لدى واشنطن. كذلك، قامت تلك القيادة الأمريكية لأوروبا في عام 2005 بوضع برنامج لأمن السواحل في خليج غينيا، كما رتبت أيضا لإقامة قاعدة عسكرية بحرية في ساوتومي وبرينسيبي.

أما في الوقت الحاضر، فان القيادة العسكرية الأمريكية لأوروبا تقوم حاليا بالتفاوض لإنشاء مواقع عمليات متقدمة في السنغال ومالي وغانا والغابون وكذلك في ناميبيا، على الحدود مع آنغولا. هذه "التسهيلات" تتعلق بتحسين مهابط الطائرات وتخزين الوقود وإيجاد "تفاهمات" مع الحكومات المحلية للسماح بالانتشار السريع للقوات الأمريكية إذا اقتضى الأمر بغية ضمان السيطرة على الطريق الغربي للنفط وكذا على المواقع الجديدة والحيوية لاحتياطيات النفط المكتشفة مؤخرا.

فهل هي لعنة الموارد الأحفورية (النفط والغاز، إلخ...) التي تنزل على بلدنا في اللحظة غير المناسبة، كما لو كانت الظروف المعيشية المتدهورة وارتفاع أسعار المواد الأساسية وازدياد نسب البطالة لا تكفي لتعذيب الفقراء في هذا البلد؟ وكيف السبيل إلى درء عفاريت النفط والغاز التي بدأت تخرج من قمقمها الصحراوي لتؤجج صراع المصالح المتضاربة بين القوى الدولية؟ وهل "ستذهب" موريتانيا ضحية "للحرب السرية" بين الأميركيين والفرنسيين للتنافس المحموم في السيطرة السياسية والعسكرية على شبه المنطقة ومواردها الطبيعية لضمان تدفق إمدادات الطاقة الضرورية لبلدانهم وكذا المحافظة على مكانتها ونفوذها كقوى دولية كبرى؟

هكذا كان الأمر في كل زمان ومكان، البنادق تسير على خطا التجارة. واليوم تدخل شركات النفط الغربية العملاقة (كمثال: مجموعة توتال الفرنسية يبلغ رقم أعمالها السنوي أكثر من 12 مليار يورو وعدد عمالها يتجاوز 90000) في سباق محموم من أجل الحصول على نفط منطقة الغرب الإفريقي ولأجل ذلك فهي تطالب بتأمين الأمن والاستقرار كشرط ضروري. ووفقا لصحيفة "وول ستريت جورنال"، تعمل القيادة العسكرية الأمريكية لأوروبا حاليا مع غرفة التجارة الأميركية على توسيع نفوذ الشركات الأمريكية في إفريقيا، كجزء من "إستراتيجية وطنية مندمجة للاستجابة". وفي هذا السباق الاقتصادي على موارد النفط في إفريقيا، تدخل الدول الاستعمارية السابقة وغيرها كبريطانيا وفرنسا، فضلا عن الصين، كل حسب مصالحها القومية، في تنافس شديد مع الولايات المتحدة.

وتبعا لتقرير صدر عن مجلس العلاقات الخارجية سنة 2005 تحت عنوان بالغ الدلالة "أكثر من الإنسانية: مقاربة إستراتيجية أميركية تجاه إفريقيا"، فإن إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى من المرجح أن تصبح في نهاية العقد الحالي مصدرا لتزويد الولايات المتحدة بالطاقة بمستوى أهمية الشرق الأوسط. وترجح "مراكز الدراسات الإستراتيجية" الأمريكية بأن غرب إفريقيا يحتوي على زهاء 60 مليار برميل من احتياطي النفط المؤكد، وهو خام خفيف منخفض الكبريت يحظى بتقدير كبير لدى المصانع الأمريكية وكبريات شركات التزويد بالطاقة.

إن تصعيد الوجود العسكري الأميركي في أفريقيا كثيرا ما يبرر بضرورة مكافحة ظاهرة "الإرهاب" والتصدي لتنامي عدم الاستقرار في المنطقة النفطية من إفريقيا جنوب الصحراء. ويتوقع الخبراء أن برميلا واحدا من بين كل 5 براميل من النفط سيدخل دائرة الاقتصاد العالمي في النصف الثاني من العقد الحالي سيأتي من خليج غينيا وأن الحصة القادمة من خليج غينيا في الواردات الأمريكية من النفط سترتفع من 15% إلى 20% سنة 2010 ثم إلى 25 % سنة 2015. خاصة إذا علمنا بأن صادرات نيجيريا حاليا تمثل بالفعل 10% من إمدادات النفط التي تستوردها الولايات المتحدة وتوفر آنغولا 4% ومن المتوقع أن تتضاعف حصتها بحلول نهاية العقد الحالي. كما أن اكتشاف احتياطيات جديدة مهمة، خاصة في غانا وكذا التوسع في إنتاج النفط الذي تقوم به بلدان أخرى في المنطقة يزيد من فرص تصدير النفط، وتشمل هذه البلدان غينيا الاستوائية ووساو تومي وبرينسيبي والغابون والكاميرون وموريتانيا وتشاد والسودان.

وبالفعل، فقد نصت وثيقة "إستراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة" في سنة 2002 على أن "مكافحة الإرهاب الدولي" والحاجة إلى ضمان أمن مصادر الطاقة للولايات المتحدة تملي عليها السعي لزيادة انخراطها في إفريقيا، كما دعت تلك الوثيقة إلى قيام "تحالف طوعي" من أجل إقامة ترتيبات أمنية خاصة في تلك القارة.

 

***

لقد جرت مياه كثيرة تحت الجسر منذ تلك السنوات حين هاجم "مهربون أجلاف" مجموعة من المشاركين في سباق داكار للسيارات سنة 1999 أو عندما ورد اسم المجموعة السلفية للدعوة والقتال وزعيمها مختار بلمختار، المعروف سابقا بـ "خالد أبو العباس" والملقب "بلعور" ضمن تقارير للإستخبارات الفرنسية ولوكالة المخابرات المركزية إثر إلغاء مراحل الرالي في النيجر سنة 2000، ليأتي بعد ذلك اختطاف 32 من السياح الألمان والنمساويين في الجزائر، على يد عمارة السيفي الملقب "عبد الرزاق المظلي" في شباط/فبراير2003، أو كذلك عندما ألغيت المرحلتان العاشرة والحادية عشر من "رالي داكار" بين "النعمة" في موريتانيا و"بوبوـ ديولاسو" في بوركينا فاسو عبر "موبتي" في مالي في كانون الثاني/ يناير 2004 تحت تهديد تنظيمات "إرهابية" كانت نشطة في منطقة الحدود بين الجزائر وموريتانيا ومالي. ولكن يبدو أن نشر بلاغ يهدد موريتانيا مباشرة بالانتقام نسب "للزرقاوي" في تموز/يوليو 2004 الذي كان حينها زعيما للفرع العراقي من مجرة "القاعدة"، قد مثل بالفعل اللحظة التي أصبحت فيها موريتانيا في مرمى خط النار بالنسبة لذلك التنظيم الدولي.

بعد ذلك بأقل من سنة، حصل الهجوم على الحامية العسكرية في بلدة "لمغيطي" في 4 يونيو 2005، الذي جلب إلى طاحونة الأوضاع الأمنية في موريتانيا نصيبا هاما من القلق ومثله معه من الريبة وعدم اليقين. فعندما تعرضت وحدة من الجيش الموريتاني في الشمال الشرقي حوالي 150 كلم من الحدود مع مالي، لهجوم كاسح أدى إلى مقتل 15 جنديا وجرح 17 و2 في عداد المفقودين، قوبلت رواية الحكومة الموريتانية للأحداث ـ التي انحت بالمسؤولية على الجماعة السلفية للدعوة والقتال ـ بالتشكيك في أوساط واسعة من النخب المثقفة الموريتانية على الرغم من أن المعارضة، بجميع مكوناتها، قد سارعت بإدانة العدوان. وهكذا لم يصدق الرأي العام الوطني آنذاك ضلوع الجماعة السلفية للدعوة والقتال في تلك العملية. كان الكثير من الناس يشتبه في كون الرئيس السابق معاوية ولد الطايع يستخدم ببراعة التلويح بالتهديدات الإرهابية لمجرد تبرير التضييق على حرية المواطنين وللحصول على مكافآت سخية من تلك التي كانت تدفعها القوى الغربية في سبيل الحرب على الإرهاب. ففي ذلك الوقت، كان جل المراقبين للساحة يشككون في صحة المعلومات المتداولة حول وجود صلات بين التنظيمات "الإرهابية" في المنطقة المغاربية تتعلق بتلقي تعليمات تنفيذية ومساعدات مالية من قبل تنظيم "القاعدة" الأم، وكانوا ميالين إلى اعتبار الأمر مقتصرا على مجرد علاقات إيديولوجية وإعلامية ليس إلا.

بل لقد طالت حملة التشكيك نوايا وأفكار الزعيم السابق للجماعة السلفية للدعوة والقتال وأميرها في الجنوب الجزائري مختار بلمختار الملقب "بلعور" مع أنها كانت واضحة بما فيه الكفاية للتنبؤ بالتطورات الدراماتيكية التي قد تتجه نحوها الأوضاع المتسمة بتزايد انعدام الأمن في بلدنا وفي شبه المنطقة. ببساطة، لقد تبنت الجماعة السلفية للدعوة والقتال الهجوم على "لمغيطي" ودعت إلى طرد الأميركيين من منطقة الساحل وكبح وجودهم العسكري المتنامي في مناطق "كاؤو" بمالي و"اغاديس" بالنيجر وكذا في "النعمة" بموريتانيا ولم تجد من يصدقها.

ورغم أن مؤشرات نمو نشاط "إرهابي" واضح المعالم في بلادنا وآفاق تطوره المنظورة يفترض أنها باتت مؤكدة منذ عدة سنوات، بعد أول إعلان رسمي عن وجود تيار "سلفي جهادي" في موريتانيا سنة 1994، فإن موريتانيا الرسمية قد اختارت دوما طأطأة رأسها في وجه ذلك التهديد الخطير. وكان الاتجاه السائد في الخطاب الرسمي هو التنافس بزهو في إبراز الأسباب التي ساهمت تاريخيا وحتى الآن في الحد من تصاعد التطرف والغلو الديني في بلاد شنقيط أمس كما في موريتانيا اليوم وتعداد فضائلها كما لو كانت قيما مطلقة تقع خارج الزمان والمكان. وقد جرى الاحتكام إلى تسويق مبالغ فيه لبعض العوامل الاجتماعية والثقافية المهمة مثل طبيعة التنظيم الاجتماعي الذي تهيمن عليه النزعة القبلية والدور الذي تقوم به الطرق الصوفية بالإضافة إلى النزعة الفطرية لدى الموريتانيين لمقاومة الإسلام "المستورد"، وهلم جرا.…، بدلا من فكرة الاعتماد على إجراء تشخيص موضوعي يفضي إلى خطة للعمل بمهارة وجدية، ضمن الوقت المناسب، لنزع فتيل عوامل الاختلال التي تساهم في انتشار الإسلام السياسي الراديكالي في بلادنا ومعالجتها بشكل جذري قبل وقوع الكارثة.

في موريتانيا، كما في أي مكان آخر في العالم الإسلامي يشكل الظلم الاجتماعي والسياسي وكذا الفشل الذريع للسياسات الاقتصادية والاجتماعية أهم العناصر المغذية "للإرهاب" كظاهرة مجتمعية منحرفة بغض النظر عن طبيعة محتواها النظري إن وجد. كما أن عوامل مثل الغزو الأمريكي لأفغانستان والعراق والصومال (عبر أثيوبيا) والتحيز الظالم ضد الفلسطينيين واللبنانيين في الصراع العربي ـ الإسرائيلي، تعتبر دوافع قوية إضافية لانتشار التطرف والراديكالية في العالم الإسلامي. وتعمل تكنولوجيا الإعلام والاتصال، التي تبث على مدار الساعة على استنساخ قيم وإيديولوجيا ثقافة العنف على شكل دراما سمعية وبصرية عبر وسائط الانترنت والتلفزيون والأقراص المدمجة وأقراص الفيديو الرقمية وMp3، على تعبئة الجموع الفقيرة من الشباب المسلم كمادة خام لتتحول إلى وقود للتطرف و"الإرهاب".

***

ورغم أن التطور"الدولتي" لموريتانيا ظل على الدوام بالغ التأثر بتذبذب ميزان العلاقات الدولية وبالثقل الساحق للعوامل "الجيوبوليتيكية" عبر 47 سنة من الاستقلال، إلا أن وضعية هذا البلد تتميز اليوم بعدم وجود أي هيكلة تنظيمية للأمن والدفاع القومي قادرة حقا على التعامل مع التحديات التي تواجهه اليوم، أحرى أن تكون قادرة على اقتراح حلول وبدائل متسقة للخروج من المأزق.

موريتانيا ليست المغرب أو الجزائر. فسواء مع أو بدون تهديد "القاعدة"، بلادنا لا تملك خيارا أمنيا ناضجا ضد تهديد "إرهابي" واقع أو محتمل أيا كان مصدره. وهنا يقدم مسار التحقيق المترنح في قضية الكوكايين "المحمولة جوا" عبر الأطلسي دليلا غير قابل للدحض على صحة هذا الزعم. ببساطة، لم يسبق أن وضعت موريتانيا لنفسها أبدا إستراتيجية من هذا القبيل. مضى نصف قرن من الزمان، ولم توجد أي إرادة سياسية حقيقية لتتحمل بجدية هذه المسؤولية باعتبارها حاجة ضرورية لصلاح وجود الدولة الموريتانية واستمرارها.

وأيا كانت دموع التماسيح التي تذرف اليوم هنا وهناك ونحيب الشجب والإدانة التي تحولت إلى طقوس روتينية لتقديم الولاء السياسي على "الطريقة الرائجة" الآن، علينا أن نواجه الحقائق وأن نعترف بأن بلادنا ـ للأسف ـ لا تمتلك أي عقيدة وطنية للأمن القومي أحرى أن تتوفر على إستراتيجية متكاملة "للأمن البشري" لحماية الوطن، مدعمة بخطط عمل جاهزة للتنفيذ. لقد ظل مفهوم الأمن القومي غامضا وذا دلالات سلبية كما أن تأويلاته السياسية قد قادت البلاد إلى شتى صنوف التجاوزات المقيتة. ولأمد طويل، ظلت وظائف وهياكل الدولة المنسوبة إلى القطاع الأمني مختزلة في جوهرها كجهاز قمعي وتعسفي كان همه المطلق هو حماية الحكم السياسي في مواجهة الشعب مقابل قبض ثمن من نوع ما. فهل يجدر بنا الانتظار حتى يصير الثمن وطنا؟!

الوسائل البشرية والمادية وكذا التجهيزات والآليات والمعدات التسليحية والتقنية واللوجستية المخصصة لقطاعي الأمن والدفاع وكذا مستوى جاهزية تلك الوسائل لم يسبق، في أي وقت من الأوقات، أن أعتمد في تشكيلها وتعبئتها وتنظيمها ونشرها أن تتناسب مع الاحتياجات الإستراتيجية للدولة الموريتانية. كما أن مسؤولية تقييم وأخذ الحقائق الاجتماعية والاقتصادية وكذا الإكراهات الوطنية البشرية والطبيعية والجغرافية و"الجيوبوليتيكية" بعين الاعتبار في عملية بناء منطقي لمنظومة أمنية ودفاعية قادرة على الاضطلاع بمهام "الأمن البشري " للجمهورية والدفاع عنها، مع القدرة على الاستجابة الفورية، إذا اقتضى الأمر، لتهديدات جدية وخطيرة ـ مهما كان مصدرهاـ تستهدف وجود "الدولة الوطنية" في الصميم كالجريمة المنظمة و"الإرهاب" وتهريب المخدرات والاتجار غير المشروع والهجرة السرية، الخ.…، ببساطة، لقد ظل هذا النوع من الاهتمامات، في أفضل الأحوال، مسألة مهملة إن لم نقل منسية في جدول أعمال الأحكام المتعاقبة.

هذه الحقيقة المرة لواقع السياسات الأمنية والدفاعية المزري في بلادنا لا يجوز بأي حال من الأحوال أن تشكل مبررا أو غطاء لأي قرار قد يتخذ على عجل وتحت تأثير الصدمة يكون من بشأنه توريط موريتانيا في التخندق مع أي ائتلاف أمني ـ عسكري أجنبي مشبوه بذريعة "الحرب على الإرهاب". فمثل تلك القرارات المغامرة ليست من الرشاد في شيء وقد أثبتت فشلها في أنحاء عديدة من العالم وجلبت الخراب والدمار للبلاد والعباد. وهي فضلا عن كونها ستبقى مرفوضة من طرف الرأي العام الوطني والطبقة السياسية النزيهة، فهي لا تمثل الجبهة الحقيقة التي يتوجب على بلادنا أن تحشد لها العدة وتعلن لها النفير. إن "حربنا" و"جهادنا" و"تحالفنا" الحقيقي هو ضد التخلف والفقر والجهل والمرض والبطالة والتهميش والظلم والغش والتلاعب بالمصالح العليا للشعب.

***

إن موريتانيا بحاجة ـ أكثر من أي وقت مضى ـ إلى تغيير نظرتها إلى الأمور كدولة وإلى إعادة صياغة جوهرية وترميم عميق لسياساتها الأمنية والدفاعية فضلا عن تدبير دبلوماسيتها على الصعيد الدولي بشكل علمي، مهني وفعال. إن قضايا الأمن والدفاع والسياسة الخارجية والدبلوماسية هي مجالات بالغة الحساسية ولا يمكن أن تنسجم مع الارتجال واللامبالاة. وينبغي أن نعي أن هذه المجالات ليست مجرد "مخصصات ميسرة للصرف" أو رحلات "استجمام" عبر العالم، بل هي أمور، فضلا عن كونها معقدة بطبيعتها، هي شرط لوجودنا ـ كدولةـ ولمصيرنا ولصحة تعاملنا مع الآخر. إن إصلاحا حقيقيا يمس جوهر وشكل هذه السياسات المذكورة لم يعد في الإمكان تأخيره. لقد حان الوقت لأن تتغير النظرة الضيقة للأمن وللدفاع في بلدنا، تلك النظرة المحصورة في أمن"السلطة الحاكمة" وأمن "الإقليم" على حساب أمن "البشر" أي الناس العاديين، الذين يسمون " مجازا" في بلادنا بالمواطنين. إن مثل هذا التغيير في الأفق، يقتضى من الآن فصاعدا أن تركز السياسات الوطنية أولوياتها على المواطن أولا وقبل كل شيء، لتجعل من حفظ كرامته واحترام حقوقه وتحقيق طموحاته في التنمية المستدامة ورعاية مصالحه الحيوية المشروعة نقطة مرجعية لكل عمل وطني مستقبلي.

إن مستقبل جمهوريتنا الثالثة ـ اليوم ـ مرهون بإدخال إصلاحات عميقة على كيان الدولة لإعادة هندسة وظائفها الرئيسية من النواحي الإيديولوجية والإستراتيجية والمؤسسية. وهذه المقاربة تمر حتما ـ من بين أمور أخرى ـ بإنشاء مجلس للأمن القومي و"منظومة عملاتية" (opérationnel système) لتنسيق السياسات العمومية المدنية والعسكرية مع الحرص على انتقاء طواقم وطنية متعددة التخصصات مهنيا وفكريا. وداخل "مختبرات" الأفكار والقرارات هذه، سيتم اقتراح ودراسة وترشيد التوجهات والخيارات السياسية الداخلية والخارجية والأمنية والدفاعية بفضل اختلاف المذاهب الفكرية والمهنية وتعدد التجارب والخبرات بين خيرة المثقفين الوطنيين الذين يسهرون على حسن سير تلك المؤسسات الاستشارية الحميمية. وبعد التحكيم على مستوى الحكومة أولا ثم لدى رئيس الجمهورية كمرجع أخير، يتم الإبقاء على أنسب الحلول وأرشدها وتجري ترجمتها إلى سياسات رسمية وبرامج متماسكة وخطط عمل وإجراءات تنفيذية تلتزم الإدارات والمصالح العمومية المدنية والعسكرية ـ في الداخل والخارج ـ بوضعها موضع التنفيذ ومتابعتها وتقييمها.

 

لا شك أن وجود ديمقراطية تعددية مزركشة بألوان قزح وكذا إجراء انتخابات شفافة "تقريبا"، يمثل بداية طيبة. لكن الهيمنة على الحياة الوطنية من طرف أحزاب سياسية قديمة وجديدة وجديدة/قديمة، لا هم لها إلا هوس التعلق بالسلطة والتزاحم على المغانم، لا يمكن بالتأكيد أن يكون نهاية سعيدة لمسار نصف قرن من عمر الدولة. إن حياة شعب ما لا يمكن أن تتوقف عند حالة متصلبة. بل يجب السعي دون كلل لبذل جهود متواصلة قصد التمييز داخل ركام التناقضات والإكراهات والمتطلبات المختلفة، التي تؤثر على روابطنا وسلوكاتنا الداخلية والخارجية، عن ثوابت المصالح العليا للشعب والتمسك بها والدفاع عنها مهما يكن الثمن.

ولا يمكن أن يتعلق الأمر هنا بتغذية الأوهام. فقوة المنافسة الدولية اليوم - التي ما فتئت تغذيها العولمة وكذا الظواهر الخارجة عن سيطرة الدول مثل الجريمة المنظمة و"الإرهاب" وتهريب المخدرات والهجرة السرية - لا ترحم. إنها تحكم على الدولة التي لا تحسن المناورة بالخضوع حتما لمناورة دولة أخرى عرفت كيف تجيدها.

 

محمد السالك ولد إبراهيم

باحث، المركز الموريتاني لأبحاث التنمية والمستقبل/انواكشوط

msaleck02@yahoo.fr

* أصل هذا المقال التحليلي محرر باللغة الفرنسية ومنشور تحت العنوان التالي على عدة مواقع:

AFRICATIME, CRIDEM, MULTIPOL,

" La Mauritanie, Al-Qaïda et les Autres

 
Source: middle-east-online.com  

 
   

Votre commentaire
 
Nom
Email
Commentaire
 



جميع الحقوق محفوظة 2023 البوابة الموريتانية للتنمية
Tel : 20 30 40 72 - 46 45 31 43 - Fax 525 30 23 - BP 4938
Email : ecms30@gmail.com
Email : ecms30@pmd.mr
Nombre de tous les visiteurs : #
Nombre de visiteur en ligne : #

Powered By: MajorSystems